الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

281

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

والتعبير بعسى " من أفعال الرجاء " مع أن الذي آمن وعمل صالحا فهو من أهل الفلاح حتما - ربما كان لأن الإيمان والعمل الصالح مشروطان بالبقاء والدوام عليهما ، وحيث أن التائبين لا يبقى جميعهم على التوبة ، بل قد يعود بعضهم لعمله السابق ، عبر القرآن بقول : فعسى . . ألخ . قال بعض المفسرين : التعبير ب‍ " عسى " حين يكون من شخص كريم ، فإنه يدل على المفهوم القطعي ، والله سبحانه أكرم الأكرمين . والآية التي بعدها في الحقيقة دليل على نفي الشرك وبطلان عقيدة المشركين ، إذ تقول : وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة ( 1 ) . فالخلق بيده ، والتدبير والاختيار بيده أيضا ، وهو ذو الإرادة ، وليس لأحد سواه أن يفعل ما يشاء ، فكيف بالأصنام ؟ ! فاختيار الخلق بيده ، والشفاعة بيده ، وإرسال الرسل بيده أيضا . والخلاصة أن اختيار كل شئ متعلق بمشيئته وإرادته المقدسة ، فعلى هذا لا يمكن للأصنام أن تعمل شيئا ، ولا حتى الملائكة والأنبياء ، إلا أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى ! وعلى كل حال فإطلاق الاختيار دليل على عموميته . . بمعنى أن الله سبحانه صاحب الاختيار في الأمور التكوينية والأمور التشريعية أيضا . . فجميعها يتعلقان به . فمع هذه الحال ، كيف يسلك هؤلاء طريق الشرك ويتجهون نحو غير الله ؟ لذلك فإن الآية تنزه الله عن الشرك وتقول : سبحان الله وتعالى عما يشركون . وفي الروايات الواردة عن أهل البيت ( عليهم السلام ) فسرت الآية المتقدمة باختيار الأئمة المعصومين من قبل الله سبحانه - وجملة وما كان لهم الخيرة أيضا وردت في هذا المعنى ، وهي في الواقع من قبيل بيان المصداق الواضح ، لأن

--> 1 - " ما " في جملة " ما كان لهم الخيرة " نافية ، ولكن البعض يحتمل أنها موصولة ومعطوفة على المفعول المحذوف " ليختار " لكن هذا الاحتمال بعيد جدا . . .